ابن قيم الجوزية

6

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الحج : 78 ] وحكم سبحانه بأنه أحسن الأديان ، ولا أحسن من حكمه ولا أصدق منه قيلا فقال : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [ النساء : 125 ] . وكيف لا يميز من له أدنى عقل يرجع إليه بين دين قام أساسه وارتفع بناؤه على عبادة الرحمن ، والعمل بما يحبه ويرضاه مع الاخلاص في السر والاعلان ، ومعاملة خلقه بما أمر به من العدل والاحسان ، مع إيثار طاعته على طاعة الشيطان ، وبين دين أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار بصاحبه في النار لأنه أسس على عبادة النيران ، وعقد الشركة بين الرحمن والشيطان ، وبينه وبين الأوثان ، أو دين أسس بنيانه على عبادة الصلبان والصور المدهونة في السقوف والحيطان ، وأن رب العالمين نزل عن كرسي عظمته فالتحم ببطن أنثى وأقام هناك مدة من الزمان ، بين دم الطمث في ظلمات الأحشاء تحت ملتقى الاعكان ، ثم خرج صبيا رضيعا يشب شيئا فشيئا ويبكي ويأكل ويشرب ويبول وينام ويتقلب مع الصبيان ، ثم أودع في المكتب بين صبيان اليهود يتعلم ما ينبغي للانسان ، هذا وقد قطعت منه القلفة حين الختان ، ثم جعل اليهود يطردونه ويشردونه من مكان إلى مكان ، ثم قبضوا عليه وأحلوه أصناف الذل والهوان ، فعقدوا على رأسه من الشوك تاجا من أقبح التيجان ، وأركبوه قصبة ليس لها لجام ولا عنان ، ثم ساقوه إلى خشبة الصلب مصنوعا مبصوقا في وجهه وهم خلفه وأمامه وعن شمائله وعن الأيمان ، ثم أركبوه ذلك المركب الذي تقشعر منه القلوب مع الأبدان ، ثم شدت بالحبال يداه ومع الرجلان ، ثم خالطهما تلك المسامير التي تكسر العظام وتمزق اللّحمان وهو يستغيث : يا قوم ارحموني ! فلا يرحمه منهم إنسان . هذا وهو مدبر العالم العلوي والسفلي الذي يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ، ثم مات ودفن في التراب تحت صم الجنادل والصوّان ، ثم قام من القبر وصعد إلى عرشه وملكه بعد أن كان ما كان ، فما ظنك بفروع هذا أصلها الذي قام عليه البنيان ، أو دين أسس بنيانه على عبادة الإله المنحوت بالأيدي بعد نحن الافكار من سائر أجناس الأرض على اختلاف الأنواع والأصناف